محمد هادي معرفة

235

شبهات وردود حول القرآن الكريم

وللسيّد الشريف الرضي قدّس سرّه كلام لطيف عند شرحه لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « العين حقّ ستنزل الحالق » . « 1 » قال : وهذا مجاز ، والمراد أن الإصابة بالعين من قوّة تأثيرها وتحقّق أفاعيلها كأنّها تستهبط العالي من ارتفاعه ، وتستقلق ( أي تزحزح ) الثابت بعد استقراره . والحالق ، المكان المرتفع من الجبل وغيره . فجعل عليه الصلاة والسلام العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل من شدّة بطشها وحدّة أخذها . وقد تناصرت ( تضافرت ) الأخبار بأنّ الإصابة بالعين حقّ . « 2 » والذي يقوله أصحابنا : إنّ اللّه سبحانه يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها والأقدار التي يقدّرها . وإذا تقرّرت هذه القاعدة ، فغير ممتنع أن يكون تغييره تعالى نعمة زيد مصلحة لعمرو ، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمرو أنّه لو لم يسلب زيدا نعمته ويخفض منزلته أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه وأقدم على المغاوي وارتكس في المهاوي ، وإذا سلب سبحانه نعمة زيد للعلّة الّتي ذكرناها عوّضه عنها وأعطاه بدلا منها عاجلا أو آجلا . وإذا كان ذلك كما قلنا - وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وآله ما يدلّ على أنّ الشيء إذا عظم في صدور العباد وضع اللّه قدره وصغّر أمره - « 3 » لم ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه واستحسانه له وعظمه في صدره وفخامته في عينه . كما روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال - لمّا سبقت ناقته العضباء « 4 » وكانت إذا سوبق بها لم تسبق - : « ما رفع العباد من شيء إلّا وضع اللّه منه » . « 5 »

--> ( 1 ) حديث متواتر ، رواه الفريقان بعدّة أسانيد وفي مختلف الألفاظ والعبارات . راجع : مسند أحمد ، ج 1 ، ص 274 ، وسائر المسانيد الستّ ؛ وبحار الأنوار ، ج 60 ، ص 25 - 26 ، وسائر الكتب الحديثية المعتبرة . ( 2 ) وقد عقد العلّامة المجلسي في بحاره بابا في ذلك ، راجع : ج 60 ، كتاب السماء والعالم . ( 3 ) إشارة إلى ما رواه أحمد في مسنده الآتي وفي النهج : « ما قال الناس لشيء طوبى له إلّا وقد خبأ الدهر له يوم سوء » . قصار الحكم ، رقم 286 ، ص 526 . و في نوادر الراوندي ، ص 128 : « ما رفع الناس أبصارهم إلى شيء إلّا وضعه اللّه » وراجع : بحار الأنوار ، ج 60 ، ص 27 . ( 4 ) العضباء : الناقة المشقوقة الاذن . وكان هذا الاسم لقبا لناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولم تكن مشقوقة الأذن . قال الزمخشري : ناقة عضباء ، قصيرة اليد . ( 5 ) روى أحمد في مسنده ، ج 3 ، ص 103 و 253 وغيره أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كانت له ناقة تسمّى العضباء ، وكانت لا تسبق في مسابقة ، حتّى جاء أعرابيّ على قعود ( ما اعدّ للحمل والركوب من الدوابّ ومن الإبل ما تجاوز السنتين ولم يبلغ الستّ ) فسبقها ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فلمّا رأى ما في وجوههم قال : إنّ حقّا على اللّه أن لا يرفع شيئا في الدنيا إلّا وضعه . والحديث منقول في الكتب بألفاظ مختلفة .